أحمد بن علي القلقشندي
340
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
به للقاضي « تقيّ الدين » بالجناب العالي ؛ وهي : الحمد للَّه الَّذي عمر عهد التّقى بتقيّه ، وأقرّ نظره بمشاهدة أبيض العرض نقيّه ، وأخصب منازل الأولياء بمن ينوب تثميره وتدبيره عن الغيث مناب وليّه ، ومن إذا شهد مقام الزّهّاد بمعروفه شهد سداد العزم بسريّه . نحمده على جليّ اللَّطف وخفيّه ، ونشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له شهادة وافي الحقّ وفيّه ، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده أكرم بعبده ونبيه ، ورسوله وصفيّه ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه صلاة يمزج أرجها كافور صباح النهار بمسك عشيّه . وبعد ، فخير النظر ما كان به الثّواب مأمولا ، والعمل مقبولا ، والآخرة للناهض فيه خيرا من الأولى ، وتخيّر الأكفاء لمناصبه الدّينية سببا لخير الدّارين موصولا . ولمّا كانت المدرسة الصالحية بجبل الصالحية المعروفة بالشيخ العارف أبي عمر : رضي اللَّه عنه وأرضاه ، وسقى سبل الغيث آثاره الطاهرة وثراه ، مما يتعيّن في مصالحها حسن النّظر ، ويتبين في القيام بأمرها فضل الآراء والفكر ؛ إذ هي زاوية الخير النافعة ، ومدرسة الذكر الجامعة ، وعشّ القرآن المترنّمة أطياره بخفقان القلوب الخاشعة ، وصفّة ( 1 ) الفقراء الذين لا يسألون النّاس إلحافا ، والأصفياء من الطَّمع الذين لا يتقاضون الدهر إنصافا وإن صافي ، ومرتكض سوابق الأعمال والأقوال ، ومقرّ القرّاء والقراءة على ممّر الليالي الطوال ، ومعدن التّلاوة المأثور غناؤها في ذلك الجبل وما كلّ المعادن ولا كلّ الجبال ، والبنية للَّه وتحتاج من ينظر بنور اللَّه في وقفها ، ويحفظ مسالك جمعها وصرفها ، وينمّي حال درهمها بتدبيره الوافي : فربّما أبقتها الأحوال منه على نصفها .
--> ( 1 ) الصّفة في اللغة : الظلَّة ، والبهو الواسع العالي السقف . والصّفّة مكان مظلَّل في مسجد المدينة كان يأوي إليه فقراء المهاجرين ويرعاهم الرسول ، وهم أصحاب الصّفّة .